الثلاثاء ١٤ / يوليو / ٢٠٢٦
من نحن اتصل بنا التحرير
×
الموجز
logo مدبولي يطلق برنامجاً وطنياً لاستقرار الأسعار وتخفيف الأعباء عن المواطنينlogo الرئيس السيسي والملك حمد يعززان التنسيق لمواجهة التحديات الإقليمية الراهنةlogo التعليم: قرارات حاسمة لتنظيم المدارس الدولية وحماية حقوق أولياء الأمورlogo مدبولي والبنك الدولي يبحثان تعزيز الشراكة ودعم الاستثمار والتحول الرقميlogo منال عوض: تحديد أولويات مصر للاستفادة من التمويل الأخضر الدوليlogo مجلس النواب يقر نهائيًا قانون تنظيم جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامةlogo المجلس الوطني للتعليم والبحث العلمي يقرر تحديث الاستراتيجيات الوطنية الشاملةlogo مدبولي يطلق برنامجاً وطنياً لاستقرار الأسعار وتخفيف الأعباء عن المواطنينlogo الرئيس السيسي والملك حمد يعززان التنسيق لمواجهة التحديات الإقليمية الراهنةlogo التعليم: قرارات حاسمة لتنظيم المدارس الدولية وحماية حقوق أولياء الأمورlogo مدبولي والبنك الدولي يبحثان تعزيز الشراكة ودعم الاستثمار والتحول الرقميlogo منال عوض: تحديد أولويات مصر للاستفادة من التمويل الأخضر الدوليlogo مجلس النواب يقر نهائيًا قانون تنظيم جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامةlogo المجلس الوطني للتعليم والبحث العلمي يقرر تحديث الاستراتيجيات الوطنية الشاملة

​مصر والصين.. سبعون عاماً من العلاقات التاريخية والتعاون المشترك

​مصر والصين.. سبعون عاماً من العلاقات التاريخية والتعاون المشترك

الصفوة العربية:

​تكتسب الاحتفالات بالذكرى السبعين لتأسيس العلاقات الدبلوماسية الرسمية بين جمهورية مصر العربية وجمهورية الصين الشعبية، والتي انطلقت في الثلاثين من مايو عام 1956، أهمية استثنائية في تاريخ الدبلوماسية الحديثة ومسار العلاقات الدولية؛ حيث كانت مصر سبّاقة بإعلان استقلالية قرارها السيادي واعترافها بجمهورية الصين الشعبية كأول دولة عربية وأفريقية تخطو هذه الخطوة التاريخية، مما عكس ريادة القاهرة في دعم التعاون بين دول الجنوب والعالم النامي، وشرّع الأبواب أمام بكين لتعزيز وتوسيع علاقاتها مع القارة السمراء والمنطقة العربية برمتها.

​وفي إطار الاحتفاء بهذا اليوبيل البلاتيني الممتد عبر سبعة عقود، تبادلت القيادة السياسية في البلدين رسائل التهنئة والتقدير؛ حيث بعث فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي برقية تهنئة إلى نظيره الصيني فخامة الرئيس شي جين بينغ، مؤكداً فيها على عمق الروابط التاريخية، وهو ما قابلته القيادة الصينية بتقدير بالغ عبر رسالة مماثلة شددت على محورية الدور المصري إقليمياً ودولياً، بالتزامن مع تبادل رئيسي الوزراء ووزيري الخارجية بالبلدين رسائل بروتوكولية أكدت على تلاحم الرؤى السياسية والدبلوماسية المشتركة، وتطور العلاقات بصورة متسارعة لتصبح واحدة من أبرز نماذج الشراكات الاستراتيجية بين الدول النامية عبر محطات تحول رئيسية؛ بدأت بمحطة التأسيس والريادة عام 1956 القائمة على مبادئ "باندونغ" للتعايش السلمي والتضامن الأفرو-آسيوي، مروراً بإعلان الشراكة الاستراتيجية عام 1999 التي وضعت إطاراً منظماً للتشاور، ووصولاً إلى الارتقاء بالعلاقات إلى مستوى "الشراكة الاستراتيجية الشاملة" عام 2014، وهو المستوى الأعلى في تصنيف العلاقات الدبلوماسية الصينية، مما أتاح مرونة وتنسيقاً غير مسبوق في كافة الملفات الحيوية.

​وتتأسس هذه الشراكة الصلبة على ركائز راسخة من الاحترام المتبادل، والسيادة الوطنية، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، مع تنسيق مستمر في القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك؛ حيث تلتزم مصر بشكل صارم وثابت بمبدأ "الصين الواحدة"، بينما تدعم بكين بشكل مطلق حق مصر في حماية أمنها القومي، ومكافحة الإرهاب، واستكمال مسيرتها التنموية المستقلة دون إملاءات خارجية، مدعومة بإرث حضاري عريق يجمع البلدين ويمتد لآلاف السنين كالحضارة المصرية القديمة والحضارة الصينية، مما خلق أرضية خصبة للتفاهم المتبادل وعزز التبادل الثقافي والسياحي والتعليمي بين الشعبين الصديقين من خلال الإقبال المتزايد على تعلم اللغة الصينية وإدراجها كلغة أجنبية ثانية في المدارس المصرية، فضلاً عن الدور الفاعل لمعاهد "كونفوشيوس" والجامعة المصرية الصينية، توازياً مع تنشيط حركة التدفق السياحي الصيني للمقاصد الأثرية المصرية، وتسيير خطوط طيران مباشرة إضافية، والتعاون الصحي البارز الذي تجلى في التصنيع المشترك للقاحات داخل مصانع "فاكسيرا" بمصر كركيزة أساسية للصناعات الدوائية الممتدة.

​وعلى الصعيد الاقتصادي والتجاري، تحولت الصين إلى أحد أكبر الشركاء التجاريين لمصر، حيث يشهد حجم التبادل التجاري نمواً ملحوظاً متجاوزاً عشرات المليارات من الدولارات سنوياً، لتصبح مصر الوجهة الرئيسية والأكثر جاذبية للاستثمارات الصينية المباشرة في أفريقيا والشرق الأوسط، نتيجة التناغم والتكامل الاستراتيجي بين رؤية مصر التنموية "رؤية مصر 2030" ومبادرة "الحزام والطريق" الصينية التي تمثل فيها مصر وقناتها الملاحية حجر زاوية لا غنى عنه في الشق البحري للمبادرة، وهو ما تجسد تطبيقياً في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس التي تحتضن منطقة التعاون الاقتصادي والتجاري الصينية (تيدا TEDA) بالعين السخنة؛ حيث نجحت في جذب عشرات الشركات الصينية العملاقة في مجالات حيوية كصناعة الألياف الزجاجية (الفايبر جلاس)، والأجهزة الكهربائية، والمنسوجات، والبتروكيماويات، مما أسهم في نقل التكنولوجيا الحديثة، وتوفير آلاف فرص العمل للشباب، وتعزيز التصنيع المحلي الموجه للتصدير، جنباً إلى جنب مع المشاركة الصينية الواسعة في تنفيذ المشروعات القومية الكبرى؛ وفي مقدمتها حي المال والأعمال بالعاصمة الإدارية الجديدة الذي نفذته الشركة الصينية العامة للهندسة المعمارية (CSCEC) ويضم "البرج الأيقوني" كأعلى ناطحة سحاب في أفريقيا وشاهد حي على عبقرية التعاون المعماري، بالإضافة إلى مشروعات النقل الذكي مثل قطار النقل الخفيف (LRT) لربط القاهرة الكبرى بالعاصمة الإدارية والعاشر من رمضان، ومشروعات الطاقة المتجددة والنظيفة كمجمع بنبان للطاقة الشمسية بأسوان ومحطات طاقة الرياح دعمًا للتحول الأخضر للدولة المصرية.

​ولم يقف هذا التعاون عند الحدود التقليدية، بل قفز قفزة نوعية نحو قطاعات التكنولوجيا المتقدمة والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي وعلوم الفضاء؛ حيث تُوج العمل العلمي المشترك بنجاح إطلاق القمر الصناعي "مصر سات-2" الخاص بالاستشعار عن بُعد، وتدشين مركز تجميع وتكامل واختبار الأقمار الصناعية (AIT) في المدينة الفضائية المصرية بأحدث التقنيات الصينية مما نقل مصر إلى مصاف الدول الإقليمية المصنعة للتكنولوجيا الفضائية، بالتوازي مع التوسع الفاعل لشركات التكنولوجيا الصينية مثل "هواوي" و"زد تي إي" في تطوير البنية الرقمية ومراكز البيانات الفائقة وبناء قدرات الكوادر البشرية المصرية، وهو ما يتطابق مع الرؤية المشتركة للبلدين في إقامة نظام عالمي متعدد الأطراف أكثر عدالة وتوازناً يراعي مصالح الدول النامية والاقتصادات الناشئة، وهو ما تكرس انطلاقاً من انضمام مصر الرسمي وتفاعلها الحيوى في التجمعات الدولية التي تقودها أو تشارك فيها الصين بفعالية، مثل مجموعة "بريكس" (BRICS) التي تفتح آفاقاً رحبة لاستخدام العملات المحلية في التسويات التجارية وتخفيف الضغط على النقد الأجنبي، وبنك التنمية الجديد (NDB)، والبنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية (AIIB) لتوفير تمويلات ميسرة لمشروعات التنمية المستدامة، فضلاً عن الدور المصري المحوري كجسر دبلوماسي موثوق لربط المصالح الصينية بالعمقين العربي والأفريقي من خلال منتدى التعاون العربي الصيني ومنتدى "الفوكاك" الأفريقي.

​ومع انطلاق البلدين بثبات نحو العقد الثامن من علاقاتهما التاريخية الراسخة، تتطلع القاهرة وبكين بمزيد من الشغف والثقة إلى مواصلة تعزيز الشراكة الاستراتيجية الشاملة وتعميق جيل جديد من الشراكات المستقبلية الواعدة، ولا سيما في مجالات الأمن السيبراني، وإنتاج الهيدروجين الأخضر، وتوطين صناعة السيارات الكهربائية، وتوسيع سلاسل التوريد المرنة، بما يضمن صياغة نموذج تنموي مستدام يحقق الطموحات التنموية والازدهار للشعبين الصديقين، ويؤكد للعالم أجمع أن السبعين عاماً الماضية قد أثبتت أن العلاقات المصرية الصينية ليست مجرد تحالف سياسي عابر أو وليد مصالح آنية، بل هي شراكة استراتيجية بنيوية، راسخة وقادرة على التكيف مع مختلف التحولات الجيوسياسية العالمية، ومستمرة في ترسيخ قيم الاستقرار والسلام والتنمية في المنطقة والعالم أجمع.